العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين



أكاد أجزم أن حديث اليوم قلَّما حدَّث إنسان منا نفسه به أو تساور إلى نفسه أنه مصاب بهذا المصاب. بل إنه من القليل النادر أن لا تسمع بيتاً يتوجع من هذه المأساة.
هل سمعتم أيها الإخوة بإنسان يموت عمداً بغير آله أو ضربة؟
ها مرّ على عقولكم أن بشراً يقتل عمداً بسبب أخيه على الهواء مباشرة، دون أن يُمسَّ القتيل بلمسة واحد؟ هل قرأتم أن إنساناً كان يمشي بسيارته الجديدة في آمان الله وإذ بالأخبار تذاع أن هذا المسكين انقلبت عليه سيارته؟ أو تلك الفتاة الشابة الوردية النضرة التي لم يمضي على زواجها سوى بضعة أيام ترقد على السرير كأنها عود آراك؟ أو ذلك الموظف الذي كان شعلة حماس، وخادماً للناس يرتقي في وظيفته، وما ثم إلا ساعات لا يطيق عملاً، ولا يشرفك بخدمة إنسان؟
يا الله .. فما تفسير هذا الحقد الواقع، وما هو تعبير هذه القصص المتكررة المتواترة.
إن جواب ذلك كله أيها الإخوة حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين) (1).
فالعين عبارة عن نظرة من إنسان على أخيه الإنسان مستحسناً شيئاً عنده، معجباً بع، ويحدق فيه النظر حسداً منه أو إعجاباً، ولم يذكر الله ولم يقل ما شاء الله فيقع الضرر على أخيه.
إن موضوع اليوم أيها الإخوة: موضوع خطير خطير خطير! أتدرون لماذا؟ اسمعوا إلى هذا الحديث المهم المؤثر يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن العين لتولع بالرجل بإذن الله حتى يصعد حالقاً فيتردى منه) (2). أي أن العين تصيب الرجل فتؤثر على عقله وروحه حتى أنه يفكر أن يصعد على مكان عالٍ فيسقط، بل إن نتيجة هذه العين أحياناً القتل، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت: (العين تدخل الرجل القبر، وتدخل الجمل القدر) (3).
عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: (اغتسل أبي سهل بن حنيف بالخراز - المدينة "فنزع جبة كانت عليه، وعامر بن ربيعة ينظر إليه، وكان سهل شديد البياض، حسن الجلد. فقال عامر: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة عذراء - يشبه بالعروس العذراء التي لا تظهر للناس- فوعك سهل مكانه واشتد وعكه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له: ما يرفع رأسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل تتهمون أحداً. قالوا: عامر بن ربيعة فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ عليه. فقال: علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا برّكت، اغتسل له، فغسل عامر وجهه ويديه، ومرفقيه وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح ثم صبَّ عليه من ورائه فبرأ سهل من ساعته) (4).
فوائد الحديث:
1) قد يقع العين من الصالح على نفسه أو أخيه، فلذا يجب الحذر.
2) حذر الإنسان على نفسه.
3) هذا ابتلاء.
4) التبركة.
5) طريقة الغسل.
قول المنجمين للمعتصم أنه لا يمكنه فتح عمورية، عندما استغاثت به المرأة وامعتصماه.
فحضر أبو تمام فتح عمورية، وخلد له
السيف أصدق أنباءً مـن الكـتب في حده الحد بـيـن الـجـد واللعـب
بيض الصفائح لا سود الصفائـح في متونهن جـلاء الشـك والريــب
والعلم في شهب الأرماح لامعـة بين الخميسين لا في السبعة الشـهـب
أبن الرواية بل أين النجـوم دمـا صاغوه من زخـرف فـيها ومـن كذب
وخوفوا الناس من دهياء مظلمةً إذا بدا الكـوكـب الغربـي ذو الذنــب

لقد أصبح خوف الناس اليوم عجيباً، يطرقون أبواب الشيوخ، يطرقون بابك، ويأتون إلى محرابك وجلهم ينقلون نفس النعمة. ما بكم أيها المسلمون الموحدون؟ قال قائلهم: إني مسكون. ومن سكنك؟ قال: جني غلبي على أمري. وكيف عرفت؟ قال الأول: فشلت في الدراسة، وقال الثاني: لم أترقى في الوظيفة، وقال الثالث: ضيق المعيشة.
إن أرتالاً كبيرة من هؤلاء الناس يأتون متوترون قلقون، ويريدون من يخدرهم أن ما وقعوا فيه من أخطاء،وما آل إليهم من فشل هو سبب ذلك الجني أو الشيطان، أو تلك العين القاهرة الغاشمة التي أردتهم في كهوف مظلمة، وأحوال محزنة، وأوضاع مشقية ... يا هؤلاء..
إن الله ما خلقكم عبثاً، وما جعل الجني أو الشيطان هيئة الأمم أو مجلس الأمن، وليست هي أمريكا حتى تبني مستوطناتها كجيوش حماية على بلاد قلبك. إن الشيطان الذي يتحدثون عنه ضعيف.
أما تقرأ قول الله تعالى: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) (5).
أوما تسمع قوله تعالى: (فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (6).
إن الدين ليس شعوذة ولا فلسفة،ولا خمول ولا كسل.
دعونا أيها الأحبة نفكر بعقل ومنطق، ومنهج من الوحي بيّن ونتساءل:
* هل نصلي الفجر والعشاء جماعة لنكون في حفظ الله؟
* هل نحافظ على قول لا إله إلا الله، مائة مرة لتكون حرزاً من الشيطان يومنا ذلك؟
* هل نخرج الشيطان من بيوتنا، فنقرأ سورة البقرة، ونخرج منها الصور اللاهية؟
* هل نخص أنفسنا بأذكار الصباح والمساء؟ هل وهل وهل...؟
أسئلة واضحة لو أجبنا عليها لما تسلط علينا الحاسدون والشيطان.. (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) (7).

__________________

(1) أخرجه مسلم (2188)، والترمذي (2063) من حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنه، وفي الباب عن حابس التميمي مرفوعاً (لا شيء في الهام، والعين حق) أخرجه الترمذي (2062). وآخر من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند البخاري (10/319)، ومسلم (2187) مرفوعاً بلفظ: (العين حق ونهى عن الوشم).
(2) أخرجه أحمد في مسنده (20923) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وأورده الهيثمي في المجمع (5/183) وقال: رواه أحمد والبزار ورجال أحمد ثقات.
(3) ذكره السيوطي في جامع الأحاديث والمراسيل (5/231) وعزاه لابن عدي من حديث جابر، وأبو نعيم في الحلية وروى أيضاً من حديث أبي ذر عند ابن عدي أيضاً. وانظر الدر المنثور للسيوطي (1/209).
(4) أخرجه مالك في الموطأ (2/938، 939) ، والنسائي في الكبرى (4/380) ، والحاكم (2/465) وصححه ووافقه الذهبي. من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف.
(5) النساء، آية (76).
(6) إبراهيم، آية (22).
(7) الفلق، الآيات (1-5).